تاريخ وثقافة جورجيا
تاريخ جورجيا
في عصور ما قبل الميلاد ذكرت المناطق التابعة لجورجيا حاليًا في الأساطير الإغريقية حيث كانت المنطقة مهد ولادة شخصيات مهمة، والأهم أن المنطقة كانت المكان الذي بحث فيه الأبطال الإغريق عن الصوف الذهبي لكبش طائر خيالي، ومن هنا أصبح الصوف الذهبي من الرموز الأساسية في الثقافة الجورجية. ويعود تاريخ ظهور أولى الممالك في المنطقة إلى القرون الأولى بعد الميلاد حيث كانت عبارة عن ممالك صغيرة تدين بالولاء للإمبراطورية الرومانية التي كانت في أوج قوتها. وكان القرن الرابع الميلادي نقطة تحول الممالك الجورجية الصغيرة إلى المسيحية وترك المعتقدات الوثنية، ويعود هذا إلى الحركة التبشيرية التي قامت بها القديسة نينو التي كانت من أفرباء القديس جورج، لتصبح واحدة من أولى المناطق في العالم القديم التي تعتنق المسيحية بشكل شبه كامل.
بحلول القرن العاشر، بدأت الممالك الصغيرة بالاتحاد لتشكيل مملكة جورجيا، والتي بدأت بالتشكل القوي في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر، وهي الحقبة التي يشير إليها المؤرخون باسم عصر جورجيا الذهبي، وهي الحقبة التي بدأت بتتويج الملك ديفيد الرابع وهو ابن الملك جورج الثاني والملكة هيلينا، ويشتهر بنجاحه في طرد الجيوش التركية التي كانت قد وصلت بالفعل إلى داخل الحدود الجورجية، وهي مجرد بداية لسلسلة هجمات ستتعرض إليها جورجيا والدول القريبة منها مثل اليونان والتي كانت بمثابة بوابة دخول الجيوش التركية إلى أوروبا، وفي تلك الفترة بدأ النفوذ السياسي والعسكري وحتى الثقافي لجورجيا بالامتداد لممالك الجوار من جنوب أوكرانيا في أوروبا الشرقية وحتى البوابات الشمالية لبلاد فارس. ومع نهاية العصور الوسطى، دخلت جورجيا في مراحل تدهور تزامنت مع الهجمات المستمرة للمغول والشعوب النورمادية، وفيما بعد استطاع الملك جورج الخامس طرد المغول، لكن هجمات الجيوش الإسلامية تتابعت، مما تسبب في النهاية في إنهاك مملكة جورجيا وحتى تحويلها إلى منطقة منعزلة محاطة بدول عديدة تحاول شن حملات عسكرية عليها على مدار عقود متتالية.
في منتصف القرن الخامس عشر، بدأت الممالك الجورجية الشرقية والغربية في طلب العون والمساعدة من الدول الأوروبية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا لكن لم تصل الأطراف إلى اتفاقيات مباشرة، وفي نفس الوقت قدمت الإمبراطورية الروسية للممالك الجورجية عرض سخي يضمن لهم الحماية الكاملة، ومن هنا بدأ التعاون يزيد بين روسيا وجورجيا، وبالفعل كانت هناك نقاط تشارك بينهما مثل كونهما من معتنقي الكنيسة الأرثوذكسية على عكس دول أغلب دول أوروبا الغربية، ومع توالي السنوات بدأ النفوذ الروسي يزيد، وأسس بعض أعضاء الأسرة الحاكمة الروسية قصور وأماكن للإقامة المؤقتة لهم، مما جعل جورجيا تتحول بالتدريج إلى دولة تابعة للإمبراطورية الروسية بصفة غير رسمية. ومع انهيار الإمبراطورية الروسية وظهور الثورة البلشفية وتقلّد فلاديمير لينين الحكم مع رفاقه الشيوعيين، اتجهت جورجيا إلى تحالف عسكري للمرة الأولى مع ألمانيا وبريطانيا، ولكن بسبب التغيرات العالمية الحادة في تلك الفترة وانهيار إمبراطوريات كثيرة بعد الحرب العالمية الأولى، فقد ققررت ألمانيا وبريطانيا ترك جورجيا بمفردها لتحدد مصيرها مع روسيا، مما تسبب في احتلال الروس لجورجيا وضمها إلى الاتحاد السوفيتي، لتبقى تابعة لها لأكثر من سبع عقود حتى انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991.
بعد الخروج من الاتحاد السوفيتي، احتاجت جورجيا عقد كامل ليقرر مواطنوها رغبتهم في الانسلاخ من الحقبة السوفيتية والاتجاه إلى الغرب، وبدأ هذا بوضوح في سنة 2003 فيما يعرف باسم الثورة الوردية، وفي نفس السنة انضمت جورجيا إلى حلف الناتو ووطدت علاقتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما تسبب بالطبع في زيادة التوتر بين جوروجيا وروسيا وأصبحت العلاقات الدبلوماسية شبه غير موجودة بينهما. في سنة 2012 فاز حزب الحلم الجورجي في الانتخابات البرلمانية، وأصبحت جورجيا عضو في مجلس أوروبا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وفي 2014 أصبحت جورجيا عضو في منطقة التجارة الحرة للاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تقدم طلب للالتحاق بالاتحاد الأوروبي حتى الآن.
الثقافة في جورجيا
تتمتع الثقافة الجورجية بخصوصية إلى حد كبير بالرغم من تشبعها بالثقافة الروسية في العقدين الأخيرين، ومن خلال الاحتفالات الدينية والاحتفالات الراقصة يمكنك التعرف بوضوح على أهم سمات الثقافة والفن في جورجيا، والتي يغلب عليها طابع الرقص التقليدي بدون موسيقى، وتقاليد خاصة مثل احتساء النبيذ مع مجموعة كبيرة (عادةً تكون من الرجال) واختيار الرجل الأكثر حكمة ليتحدث عن مباهج الحياة والسعادة.
بصفة خاصة يميل السكان الجورجيون إلى الاحتفاء بالفنون المعمارية الفريدة في المباني القديمة والتي بدأت جذورها من الحضارات الإيبيرية القديمة، والتي تشبعت بعد العصور الوسطى بروح عصر النهضة، وامتزجت فيها مكونات العصر الكلاسيكي الإغريقية والثقافة الرومانية والبيزنطية، وعلى مدار التاريخ أيضًا وبسبب قرب جورجيا من إيران فقد تفاعلت الثقافة الجورجية معها، وأخيرًا مع الثقافة الروسية.
كرة القدم وكرة السلة هما أكثر الرياضات شيوعًا في جورجيا لكن في نفس الوقت يبرز رياضيون مهمون في الجودو والمصارعة ورفع الأثقال، وفنون قتالية تعود إلى تقاليد قديمة مثل فن القتال الكاخيتي، وخلال حقبة الاتحاد السوفيتي برز لاعبو كرة سلة بارعون من جورجيا مثل أوتار كوركيا وميخائيل كوركيا وليفان موشفيلي، كما تحظى لعبة الشطرنج باهتمام كبير في جورجيا.
تشتهر جورجيا بالمصوغات الذهبية والفضية والمشغولات اليدوية والأحجار الكريمة وغيرها من أنواع الإكسسوارات بسبب تنوع المنتجات نفسها والنطاق الواسع لمختلف الأسعار، وأخيرًا لا ننسى الجودة. وفي العاصمة والمدن الحيوية تكثر محال الهدايا والأنتيكات الجورجية ومن روسيا وتركيا ودول أوروبية عديدة، وإذا كنت من محبي الفن واللوحات فستجد أمامك مجموعات وافرة من أهم الفنانين الجورجيين مثل بيورسماني وجيجو جاباشفيلي وديفيد كاكابادزي ولادو جولدياشيفيلي وكورنيلي شانزادي وإيلين أتخفليدياني وسيمون فيرسالادزي وغيرهم في محلات مخصصة أو في الشوارع خاصةً في مدينتي تيبليسي وباتومي.